نهاية الرماح

القسم: مشاركات الشبيبة

نهاية الرماح

كتب "جيم إليوت" - عندما كان طالبا في الكلية - في مذكراته يقول: «إني مستعد أن أموت لأجل أكلة لحوم البشر». وكتب في وقت آخر: «أيها الآب خذ حياتي بل أيضا دمي إذا أردت و لتلتهمه نار محبتك المضطرمة»، ومن أشهر ما قاله: «ليس غبيا من يعطى ما لا يستطيع أن يحتفظ به ليربح ما لا يستطيع أن يفقده».

ولكن من هو "جيم إليوت"؟

اسمه بالكامل "فليب جيمس اليوت" Philip James Elliot. وُلد في "بورتلاند" Portland بولاية "أوريجان" Oregon بالولايات المتحدة الأمريكية في الثامن من أكتوبر من عام 1927م. من أبوين مسيحيين هما "كلارا" و"فريد اليوت" وكان الوالد "فريد اليوت" خادمًا متفرغًا لخدمة الإنجيل.

كان بيتهم مفتوحا للخدام والمرسلين كأنه كنيسة، لهذا فقد قَبِلَ "جيم اليوت" الرب يسوع كمخلص شخصي له لما كان في الثامنة من عمره. في عام 1941م التحق "جيم اليوت" بالمدرسة الثانوية في "بينسون" Benson وتفوق في الهندسة المعمارية والرسم، وكان بارعا في كرة القدم والكتابة والصحافة والتمثيل، حتى نصحه المدرسون أن يلتحق بالتمثيل ليتفرغ للمسرح كممثل محترف. وفي العام الأخير لدراسته الثانوية انتُخب كرئيس للفصل في المدرسة.

في عام 1947 التحق "جيم" بكلية "وايتون" Wheaton College وكان يعظ الشباب في منطقة "وايتون" المحيطة بكليته. ولقد تأثر إليوت بإحصائية قرأها وكانت تقول أن هناك خادم مسيحي واحد لكل 50 ألف شخص خارج أمريكا. بينما يوجد خادم مسيحي واحد لكل 500 شخص في الولايات المتحدة. وفي الصيف سافر إلى المكسيك مع زميله "رون هاريس" Ron Harris وأقام مع أسرة من المرسلين هناك لمدة 6 أسابيع ليتعلم اللغة الأسبانية - وهي لغة أغلب سكان قارة أمريكا الجنوبية - وفي المكسيك تأكد "جيم اليوت" من دعوة الرب له أن يكون مرسلاً لأمريكا الجنوبية. وبعد ذلك حضر أكثر من مؤتمر عن الأرساليات. وكان عطش "جيم اليوت" للخدمة في أمريكا اللاتينية يزداد. واختار اللغة اليونانية ليتخصص فيها بدراسته الجامعية لتساعده في دراسة العهد الجديد. وتخرج من الجامعة بامتياز في عام 1949م .

بعد التخرج عاد "جيم اليوت" إلى بلدته. وقضي أغلب وقته في دراسة الكتاب المقدس و الوعظ كلما فُتحت له الأبواب. ودرس تراجم حياة المرسلين مثل "هدسون تايلور" Hudson Taylor و"جوناثان جوفرث" Jonathan Goforth و"ديفيد برنارد" David Brainerd وغيرهم. وفي يونيه من عام 1950 درس "جيم إليوت" عادات قبائل الهنود الحمر المرعبة المفترسة في الإكوادور. بينما كان قد التحق لعدة شهور بمدرسة ليتعلم لغتهم. وخدم الرب بولاية "إنديانا" ثم بدأ برنامج راديو لإذاعة الإنجيل. وكان اسم البرنامج "خطوات الحق" وكان يشاركه بعض زملائه السابقين مثل "إيد ماكالي" Ed McCully ورفيقه في السكن أثناء الكلية "بيت فليمنج" Pete Fleming.

وأرسل "جيم إليوت" للدكتور "تيدمارش" Dr. Tidmarsh مسئول الإرسالية في "الإكوادور" يخبره عن رغبته في أن يشارك في الخدمة هناك ورحب الدكتور "تيدمارش". وفي 4 فبراير 1952م أبحر جيم إليوت وصديقه "إيد ماكالي" "للإكوادور" ووصلوا "لكيوتو" Quito العاصمة في 21 من فبراير وظلوا هناك 6 أشهر مع عائلات المرسلين ليتقنو اللغة. وأقام المرسلون في محطة قديمة للبترول في مكان خطير جدا لأنه كان بجوار قبيلة "الأيوكا" Auca tribe التي تميزت بالشراسة البالغة. وكان هناك مهبط صغير للطائرات.

كان "جيم إليوت" قد تعرف في أثناء الجامعة على زميلة له وهي شابة خادمة للمسيح اسمها "إليزابيث هوارد" Elisabeth Howard وفي من نفس العام 1952م وصلت "إليزابيث" إلى "الإكوادور" للتعلم اللغة الأسبانية أيضا وتدرس الطب للتخصص في طب المناطق الحارة لاستخدام الطب في الأرسالية. فتزوجا في 8 أكتوبر 1953 في "كيوتو" "بالأكوادور" في فرح بسيط وسافر مع عروسه في رحلة قصيرة "لبنما" و"كوستاريكا" وولدت لهم الطفلة "فالري" Valerie في 27 فبراير 1955م. وعمل "جيم" وزوجته "إليزابيث" في ترجمة العهد الجديد للغة الهنود الحمر "بكيوتو" وأقاموا في مكان جديد للإرسالية اسمه "شيل ميرا" Shell Mera.

استقل "جيم اليوت" الطائرة مع صديقيه "بيت فليمنج" و"روجر يودريان" Roger Youderian "لشانديا" Shandia وكان كابتن الطائرة مُرسَل طيار اسمه "نات سينت" Nate Saint مع زوجاتهم. ونزلوا في الغابة بجوار قرية صغيرة ومشوا ساعتين على الأقدام ليصلوا "لشانديا". وفي "شانديا" بدأ "جيم" و"بيت" الاتصال بالهنود الحمر ولحقهم "إيد" Ed وزوجته "ماريولو" Marilou بعد 6 أشهر وبنوا معا محطة للإرسالية ومركزا طبيا صغيرا وبعض البيوت للمرسلين وبعض مهابط للطائرة. وهذا استغرق حوالي العام وعندها بدأ المرسلون أول مؤتمر للكتاب المقدس في "شانديا".

درس "جيم إليوت" عادات قبيلة "الأيوكا" وعرف أنهم يتصفون بالعنف والقتل وليس لهم أي اتصال بالعالم الخارجي. وأراد أن يذهب بنور الإنجيل إليهم. ووضع خطته التي أسماها "عملية الأيوكا" Operation Auca وتواصلوا معهم باستخدام الطائرة وكانوا ينادوا لهم بلغتهم باستخدام مكبر للصوت بكلمات صداقة ويلقون لهم بهدايا وتحف وملابس وصور فوتغرافية. ولما تحققت القبيلة من أن "جيم" ورفقائه أصدقاء وليسوا أعداء سمحوا لهم بالنزول في الجزيرة التي كانت تسمي "بالم بيتش" Palm Beach وكانوا يرسلون للطائرة ببغاء ويرموا ملابس من الريش ليشجععوهم على الهبوط. وبعد 3 أشهر هبطوا للجزيرة على شاطيء نهر "كيوراري" Curaray River وبعد اسبوع جاء إليهم 4 من رجال القبيلة فقدم لهم "جيم" ورفاقه الطعام والهدايا كعلامة ودليل السلام وبعد عدة أيام نقل المرسلون أجهزتهم من الطائرة للمكان الجديد وبدأوا في بناء ملاجيء للسكن وبعد 4 أيام أتى إليهم رجل اسمه "نينكيواي" Naenkiwi وكان مندهش جدًا من منظر الطائرة فأخذ المرسلون "نينكيواي" في رحلة بالطائرة حول القبيلة وكان "نينكيواي" ينادي من الطائرة لأهل القبيلة وكان في ذلك نجاح باهر للتواصل مع القبيلة.

في يوم 8 يناير 1956 خرج على المرسلين 10 رجال من القبيلة بالرماح وقتلوا المرسلين الخمسة ومزقوهم بالرماح ونهبوا كل شيء وانقطع الاتصال اللاسلكي بالمرسلين وحلقت الطائرات من "الإكوادور" و"الولايات المتحدة" للبحث عنهم ووجدت جثثهم في النهر طافية عدا جسد "إيد ماكالي" وكانت الساعة التي كان الطيار يلبسها قد توقفت عند الثالثة والنصف عصرا.

بعد الجنازة امتلأ قلب زوجات المرسلين الشهداء بالسلام وجاءت "إليزابيث" وبنتها "فالري" لتواصلا خدمة "جيم إليوت" في نفس منطقة قبيلة "الأيوكا" وربحت الكثير منهم.

كثير من الكتب كتبت عن حياته ومواعظه واستشهاده. وفي عام 2003م تحولت القصة إلى عمل موسيقي عظيم في "قاعة فيكتوريا الموسيقية" Victoria Concert Hall وفي عام 2006م صارت القصة فيلم تليفزيوني بعنوان "نهاية الرمح" End of the Spear.

صديقي القاريء العزيز، صديقتي القارئة العزيزة، رغم استشهاد "جيم إليوت" لكنه مع زوجته والمرسلين ربحوا الآلاف في "الإكوادور" لقد انطبقت عليه الآية التي قالها الرب يسوع: [اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ. مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضاً يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ] (يوحنا12: 24-26) فهل تعلمت التضحية لأجل من ضحى بدماه لأجلك؟ هل تصلي معي؟

صلاة: يا من لأجلي قد غطتك الجراح وحملت بدل عني الخطايا والأتراح  ارحمني وخلصني ففيك قلبي يرتاح  لأمتلئ بالأفراح ولا أخاف الاضطهاد ولا حتى رُماة الرماح. آمين

المصدر: حياتك في قصة - د. زكريا استاورو

أضف تعليق